المفارقــة وشعرية القصيدة العربية القديمة (هـمـزيّـة حـسـان بن ثـابت أنموذجًا)
محتوى المقالة الرئيسي
الملخص
يدرس البحث شعرية المفارقة في همزية حسان بن ثابت التي نظمها ردّاً على هجاء أبي سفيان النبي r، وفيها يمدح النبي r، ويتوعّد المشركين بالحرب .
لا نقصد بالمفارقة معناها القديم بأنها قول شيء، والإيحاء بنقيضه، بل معناها المستحدث، وهو أنها قول شيء بطريقة تستفز عدداً لا نهائياً من التأويلات المختلفة.
لذلك تدخل المفارقة في تشكيل الحركة الباينة في القصيدة التي يتخلّق منها الإيقاع الداخلي للنص، والتي نلحظ حلولها نصّ حسان بن ثابت حلولاً مراوغاً يستثير تساؤلات لا حصرَ لها ستتكشّف تباعاً في أثناء القراءة التأويلية المتأنية .
تشكل بنية المفارقة أحد المداخل المهمة لدراسة شعرية القصيدة العربية القديمة لما لها من أثرٍ حيويّ في خلق الإيقاع الداخلي للنصّ، وذلك عبر إحلال خاصة التوازن فيه «وهو توازن يقوم على مبدأ (التعارض الثنائي) بين العناصر : الحركة في مقابل السكون، والتوتر في مقابل الاسترخاء، والارتداد في مقابل التعاقب. وهذا يحدث فضاءً داخل النص بين عنصر وآخر، فتتمدد المساحة بين العناصر، وينشأ بينها مدى زمني يجلب معه توتراً يحتدّ حيناً ويتراخى حيناً، بصبغة متوالية تقيم في نفس المتلقي إيقاعاً يتناغم مع إيقاع النص » ([1]) لا يُدرك إلا من خلال فهم شامل لسيرورة الحركة في بنية النص الكلية، ومراحل تناميها، وتعارضها أو تلاقيها، وبالتالي يمكننا القول إنّ الإيقاع الداخلي للقصيدة، مرتبط بالحركة البانية لها ([2]) وهي حركة جدلية متداخلة تداخلاً شديداً بحيث لا يمكن فصل وحدة إيقاعية عن أخرى، وإلا تعطّلت حركة الإيقاع يدلنا ذلك على أنّ إيقاع المفارقة لا ينمو في النصوص الشعرية البسيطة التي تسير باتجاه خطي دلالي ونفسي واحد، وأنها - أي المفارقة - «لا تحلّ إلا في (النص المفتوح)، أي النص الذي تتعدد نواتجه، لأنها نواتج احتمالية لا تقبل اليقين.. والانتقال إلى منطقة الشعرية محكوم بدخول (الاحتمال) دائرة (المراوغة) وهذه الدائرة من طبيعتها إعادة تشكيل الصياغة – في العمق – على نحو مغاير لما هي عليه في السطح.. وأهمية دخول الصياغة إلى دائرة المراوغة، أنها تتيح للمتلقي أن يتحرك بين المنطوق والمفهوم حركة جدلية، ثم يصعد من النص الحاضر إلى فضائه الغائب لعلّه يمدّه بما يحتاج إليه من بيانات وإيضاحات أو لنقل : لعلّه يمدّه بالمسكوت عنه » ([3]).
([1]) الخطيئة والتكفير، عبد الله الغذامي، ط3، دار سعاد الصباح ، 1993م ، ص23.
([2]) بنية الإيقاع في الخطاب الشعري، يوسف إسماعيل، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 2002، ص20.
([3]) كتاب الشعر، محمد عبد المطلب، ط1، مكتبة لبنان ، ناشرون، 2002.
المقاييس
تفاصيل المقالة

هذا العمل مرخص بموجب Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International License.