أسرار قلعة خريبة الجندي-آل القدور تاريخ محفور في الحجر
محتوى المقالة الرئيسي
الملخص
قامت العوامل الجغرافية والمقومات الاقتصادية بدور مركزي واضع في توزيع القرى وبناء مساكنها، ويبدو تأثير العوامل الطبيعية على ديموغرافية عكار واضحا من حجم التجمعات السكانية وتوزيعها المرتبط بتنوع هذه العوامل من طبوغرافية ومناخية و توزيع الثروة المائية. ولا مجال هنا لشرح مختلف هذه العوامل بإعتبارها من اختصاص الجغرافية البشرية وعلم الاجتماع ولكن لا بد لنا من تبيان تأثيرها على عمليات التمركز السكاني الأولى، ولو بصورة موجزة، بإعتبارها عوامل فاعلة في تاريخ المجتمع العكاري، من شأنها ايضاح المؤثرات التي خضع لها الإنسان في تلك المنطقة. ( سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس (سجل 26) ص 244)
ولئن كان للعوامل الطبيعية دورها في تحديد أماكن التمركز السكاني وتعيين دور القرية ومهامها ، فقد قام الإقتصاد بدور مركزي في تقرير أشكال القرى وفي تصميم هيكلية المسكن ومحتوياته، حيث جاءت تصاميم المساكن في القرى العكارية على أشكال تتلاءم مع وظائف سكانها وأدوارهم الإجتماعية، وقلعة خريبة الجندي-آل القدور خير دليل تاريخي على ذلك.
لا تزال كتابة تاريخ لبنان الحديث والمعاصر تقتصر بمعظمها على مناطق معينة ، لذلك نحن بحاجة إلى دراسة التاريخ كما يجب ، أي دراسة تاريخ الناس - كل الناس - تاريخ الإنسان والشعب بكل فئاته وطبقاته، دراسة وافية تغوص في حياته اليومية وتنفذ إلى أسرار حركاته وتصرفاته ومواقفه ، لكي نتمكن من التخلي عن الكثير من المشكلات الحاضرة.
ولما كانت عكار تأتي في مقدمة المناطق اللبنانية التي ما تزال تعيش بساطة الماضي، وتعاني إهمالاً موروثاً ، فهي تشكل إذا أفضل عيّنة لدراسة تاريخنا، وقلعة آل القدور في منطقة خريبة الجندي هي خير مثال على ذلك.
إذا يعتبر موقع عكار الجغرافي، وأهميتها الإقتصادية والإجتماعية، ونظم الحكم فيها ، وأماكنها الأثرية ، عناصر فعالة في تاريخها الحديث والمعاصر، فحرص الدولة العثمانية توليتها لعائلات موالية لها وعزل من أحسّت فيه القوة والتمرد (ولّت الدولة العثمانية على عكار بني سيفا ثم آل حمادة ثم آل المرعبي) ليسا إلا نتيجة لثرواتها الإقتصادية وموقعها الجغرافي المميز كبوابة طبيعية لعبور الجيوش العثمانية إلى الساحل اللبناني (ولاية طرابلس) ، وممرا تجارياً بين طرابلس والداخل السوري (مرعب (۲۰0۳) ص ٢٤) هذان العاملان جعلاها أيضاً موطناً لعناصر بشرية وفدت إليها من المناطق المجاورة وبخاصة من جبل لبنان، وأحدثت فيها تغيّراً ديموغرافيّاً ملحوظاً، أسهم في خلق تطورات إجتماعية مهمة ، لاسيما في ظل الإنتداب الفرنسي كما ساهمت بالإضافة إلى العوامل الجغرافية والإقتصادية في ظهور توجهات سياسية معينة أدت إلى إلحاق عكار بدولة لبنان الكبير عام ١٩٢٠ (القاسمية (1991) ص 29 ). حیث كانت عكار في بداية العهد العثماني مقسّمة إلى إقطاعين كبيرين بين آل شعيب في السهل وآل سيفا في الجبل. وقد نتج عن هذا التقسيم ، تنازع دائم بين هاتين العائلتين عندما سعت كل واحدة منهما إلى توسيع رقعة إقطاعها على حساب الأخرى فلجأت إلى تقوية نفسها وتدعيم قوتها ، بعقد تحالفات مع عائلات إقطاعية أخرى مجاورة لها.
فتحالف بنو سيفا مع بني عساف في جبيل وكسروان والأمير قرقماز في الشوف ، حتى تمكنوا مجتمعين من طرد بني شعيب من عكار وإقتسام مقاطعتهم من بعدهم ، فأخذ بنو سيفا سهل عكار، وآلت طرابلس إلى بني عساف، إلّا أنّ تبدّل موازين القوى في المنطقة على هذا النحو حتّم تغير التحالفات بصورة جذرية ، فانقلب حلفاء الأمس إلى أعداء، بعد أن امتدت مطامع يوسف باشا سيفا إلى طرابلس ، ومطامع منصور عساف إلى عكار، فعجّلت وقوع الصدام بين الأسرتين الإقطاعيتين ، وقد انتهى هذا الصدام بانقراض سلالة بني عساف وانتقال إمارتهم لآل سيفا الذين باتوا أمراء الساحل من عكار شمالاً حتى نهر الكلب جنوباً.
وفي هذه الأثناء، ظهرت قوة فتية في منطقة الشوف تمثلت بالأمير فخر الدين المعني الثاني ، وكان لسياسة التحالفات التي رسمها آل سيفا، الأثر الفعال في إدخال عكار إلى حلقة النزاع بين الإقطاعيين في جبل الدروز وكسروان وبلاد جبيل، بعد أن أدركوا أهمية ثرواتها الزراعية وموقعها الاستراتيجي، من النواحي العسكرية والتجارية، وبدأوا يفكرون بالسيطرة عليها، ويمكن تفسير الصدامات التي وقعت بين الأمير فخر الدين المعني الثاني، ويوسف باشا سيفا، بعد أن فشلت محاولة كل منهما لبسط نفوذه على إقطاع الآخر بطريقة سلمية، تمثلت باقتران الأمير علي بن يوسف باشا سيفا من ابنة المعني الكبير، وقد تمكن الأمير فخر الدين بعد موت يوسف باشا سيفا من تحقيق حلمه، فمدّ نفوذه إلى عكار، وقد أدى تداخل المصالح بين آل سيفا وأمراء جبل الدروز إلى زجهم في نزاعات المقاطعجيين في الجبل، فأيّد الأمير علي بن الأمير محمد سيفا، آل علم الدين في حين كان الأمير عساف بن يوسف باشا سيفا من أنصار المعنيين (البخيت (1981) ص 84) وقد نتج عن ذلك ازدياد حدة التنافس بين أمراء بني سيفا على الإمارة، واقتتالهم فيما بينهم ، الأمر الذي أضعف قوتهم وانتهى بزوال إمارتهم عام ١٦٣٧م ، فتهيأ بذلك السبيل لعائلة آل حمادة أصحاب بلاد جبيل وكسروان فامتدّ نفوذهم إلى عكار (اسماعيل (1964) ص 71).
ولقد أدى ضعف الدولة العثمانية وولاتها في بلاد الشام عامة وطرابلس بصورة خاصة ، إلى بروز دور كبير لآل المرعبي وبخاصة بعد انهيار جند المقاطعات فيها منذ القضاء على سلطة بني سيفا في منتصف القرن السابع عشر، وبرهنت عن كفاءة قتالية عندما قضت على نفوذ آل حمادة الذين خلفوا بني سيفا في عكار، والتزموا جباية أموالها الأميرية، وبقتل زعيم الحماديين آنذاك الشيخ عيسى حمادة على يد الشيخ شديد الناصر المرعبي وحلفائه آل رعد حكام الضنية، فتمهّد بذلك السبيل أمام المراعبة لأخذ دور ممثلي السلطة العثمانية في عكار(حقي (1969) ص 100). ولقد توزعت العائلة المرعبية إلى فروع في منطقة القيطع، الجومة والدريب، وحديثنا اليوم عن آل قدور مالكي القلعة وأحد فروع آل المرعبي من فرع الأسعد ووالدهم هو محمود بن مصطفى بن عبدالقادر بن مصطفى (حاكم طرابلس) بن أسعد بن شديد بن ناصر بن مرعب، المرحومون الحاج : فريد، توفيق، سهيل، عادل، سميح ، بهيج ، عدنان ، عبدالكريم ، ماجد، حسان وفضل الله القدور ، و تجدر الإشارة أن النائب المرحوم عبد الكريم القدور قد مثل عكار في المجلس النيابي بعد فوزه في انتخابات دورة العام ١٩٥٧ وأيضاً شقيقه النائب المرحوم بهيج القدور (صهر آل الأحدب) في إنتخابات دورة العام ١٩٦٤ و 1968 حيث انحصر تمثيل السنة في عكار في الفترة الممتدة من عام ١٩٢٠ ولغاية عام 1991 بآل المرعبي وحدهم.
المقاييس
تفاصيل المقالة

هذا العمل مرخص بموجب Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International License.