دراسة المستوى البلاغي لإسمه تعالى العليم

محتوى المقالة الرئيسي

فاطمة سالم برغيلة
الأستاذ الدكتور أنطوان صيّاح
الأستاذة الدكتورة زينة سعيفان

الملخص

عند العودة إلى آيات القرآن الكريم، نجد أنّ العديد منها يختتم بأسمائه الحسنى، وهذا ليس مجرّد تكرار للألفاظ، بل هو تكامُل بلاغي يعكس التناسق بين المعنى والمبنى، ويعزّز دلالة الآيات ويغنيها. وهذه الأسماء والصفات الإلهية تكون دائمًا على صلة وثيقة بما تقدّمه من معاني في الآيات السابقة، بحيث إنّ أيْ محاولة لتغيير أو تبديل هذه الأسماء أو الصفات من شأنها أنْ تخل بالتناسق الفصيح والبلاغي، لأنّ اللسان العربي الفصيح والقول البليغ لا يتقبّل ذلك، بل يرفضه وفقًا للذوق السليم.


إنْ تأمّلنا في فواصل القرآن الكريم، نجد أنّ كل فاصلة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما قبلها، بحيث تُكمل المعنى وتُعزّزه، وتنقله إلى مرحلة من التوكيد والوضوح. وهذا التناسق الدقيق بين بداية الآية ونهايتها يكشف عن المقاصد البلاغية العميقة التي يهدف إليها القرآن. فمن خلال هذه الفواصل، يظهر التناغم بين ما تطرحه الآية من معانٍ، وكيف أنّ هذه المعاني تُختتم بشكل ينسجم مع السياق بشكلٍ كامل. على سبيل المثال، قد يُختم الحديث عن علم الله المطلق بجملة مثل: {وهو بكل شيء عليم}، لتكون بمثابة التوكيد على علم الله الشامل، أو قد يأتي ختم الآية بجملة مثل: {وكان الله عليمًا حكيمًا}، بعد حديث عن التشريعات والحكم التي لا يعلمها إلّا الله، فتنقلب هذه الفاصلة إلى إشارة عظيمة على علم الله وحكمته.


وإذا تتبّعنا استخدام اسم الله تعالى "العليم" في ختام الآيات، نجد أنّه يأتي غالبًا كتذييل في آخر الآية، وهذا التذييل يُعدّ من الأساليب البلاغية الرائعة التي تبرز قوة المعنى ووضوحه. كما عرّفه ابن مالك بقوله (1989): "التذييل يأتي بعد تمام الكلام بمشتمل على معناه من جملة مستقلة بنفسها لإفادة التوكيد والتحقيق لدلالة منطوق الكلام أو دلالة مفهومه" (ص 216). وأكّد السيوطي (1988) على هذا المعنى، حيث ذكر أن "التذييل هو أن يؤتى بجملة عقب جملة، والثانية تشتمل على الأولى لتأكيد منطوقه أو مفهومه، ليظهر المعنى لمن لم يفهمه، ويتقرّر عند من يفهمه" (ص 279).



  • للتذييل في الكلام مقام عظيم في البلاغة، إذْ يساعد على زيادة وُضوح المعنى واتّساعه، كما يرفع من قيمة النص البلاغية. فالتذييل يُعتبر وسيلة لتعميق الفهم وتوضيح المقصد، خصوصًا في المواقف التي تجمع بين أنواع مختلفة من الفهم؛ من الفهم البطيء إلى الفهم العميق، كما يُستخدم في حالات معيّنة لتحقّق الأهداف البلاغية التي تتطلّب تأكيد المعنى وتكراره بشكل يعزّز وضوحه. وقد أشار العسكري إلى ذلك بقوله (1981): "التذييل هو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى بعينه حتى يظهر لمن لا يفهمه ويتوكّد عند من يفهمه. وللبلاغة ثلاثة مواضع: الإشارة، والتذييل، والمساواة. ويستعمل التذييل في المواطن الجامعة، والمواقف الحافلة" (ص 373).

  • وفي القرآن الكريم، نجد أنّ التذييل يأتي لزيادة البلاغة والجمال والقوّة في النصوص، ويُظهر لنا عظمة القرآن وجماله الكامن في تفاصيله. وقد وقع التذييل في القرآن الكريم على ثلاثة أنواع؛ الأول: التذييل في ختام الآيات، وهو الأكثر شيوعًا، الثاني: التذييل الذي يأتي آية مستقلة بذاتها، والثالث: التذييل في وسط الآية. ويأخذ التذييل في القرآن الكريم صورًا متعدّدة مثل المؤانسة أو البيان أو الاحتراس أو التثبيت أو التعليل، ممّا يضفي على النصوص القرآنية عمقًا بلاغيًا ومعنويًا.


وفي هذا المبحث، سنتناول المقاصد البلاغية لختم الآيات باسمه تعالى "العليم" من خلال النوع الأول من التذييل، أي التذييل الذي يأتي في ختام الآيات.


 

المقاييس

يتم تحميل المقاييس...

تفاصيل المقالة

كيفية الاقتباس
فاطمة سالم برغيلة, الأستاذ الدكتور أنطوان صيّاح, & الأستاذة الدكتورة زينة سعيفان. (2025). دراسة المستوى البلاغي لإسمه تعالى العليم. المجلة العربية للعلوم الإنسانية والاجتماعية, (34), 1499–1539. https://doi.org/10.59735/arabjhs.vi34.1586
القسم
فهرس المحتويات

الأعمال الأكثر قراءة لنفس المؤلف/المؤلفين

​<span id="__caret">_</span><br data-mce-bogus="1"> ​<span id="__caret">_</span><br data-mce-bogus="1">