أثر غياب الموازنة العامّة وقطع الحساب على الإنفاق العام في لبنان

محتوى المقالة الرئيسي

مصطفى حمدان
الأستاذ الدكتور عصام إسماعيل

الملخص

يُعدّ إعداد الموازنة العامة وإقرارها سنوياً من أبرز ركائز الإدارة المالية الرشيدة في أي دولة، إذ تتيح ضبط الإنفاق العام وتحديد أولويات التنمية وضمان الشفافية والمساءلة. غير أن لبنان شهد خلال فترات متكرّرة غياباً للموازنة العامة وتعطيلاً لإقرار قطع الحساب، ما انعكس سلباً على النظام المالي العام وأدّى إلى تفكّك منظومة الرقابة على الإنفاق.


إن الموازنة، بمفهومها القانوني والسياسي، تشكّل أداة لتقدير النفقات والواردات لسنة مالية محددة، وتُعدّ ترجمةً فعلية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة. أمّا “قطع الحساب” فهو الحساب الختامي الذي يبيّن نتائج تنفيذ الموازنة، ويُفترض أن يُعرض على البرلمان لإبراء ذمة الحكومة قبل إقرار موازنة السنة التالية. وعليه، فإن غياب قطع الحساب يشكّل مخالفة دستورية صريحة، إذ يُفترض أن لا تُقرّ موازنة جديدة قبل تصفية الحساب السابق.


لقد أدّى تعطيل الموازنة في لبنان إلى تآكل مبدأ الشرعية المالية، حيث استمرّ الإنفاق العام عبر القاعدة الاثني عشرية أو بقرارات استثنائية، ما أضعف الرقابة البرلمانية وفتح الباب أمام تجاوزات مالية وإدارية. كما ساهم غياب قطع الحساب في طمس معالم الفساد المالي، إذ لم يعد من الممكن التحقق من مدى التزام الوزارات والمؤسسات العامة بسقوف الإنفاق المحددة أو من دقة الأرقام المعروضة في البيانات المالية.


من الناحية الاقتصادية، ساهم هذا الخلل في تفاقم العجز المالي والدين العام نتيجة غياب الرؤية الموحدة للإنفاق، وغياب أدوات التقييم والمساءلة. كما انعكس ذلك على نوعية الإنفاق، حيث اتجهت الحكومة نحو الإنفاق الجاري على حساب الإنفاق الاستثماري، ما أعاق تنفيذ المشاريع التنموية وأضعف الخدمات العامة.


أما من الناحية السياسية والمؤسساتية، فإن استمرار الإنفاق خارج الموازنة أضعف دور مجلس النواب كمؤسسة رقابية، وأفقد المواطنين الثقة بآليات إدارة المال العام. كما كرّس ثقافة اللامحاسبة داخل المؤسسات الرسمية، في ظل غياب آليات واضحة لتحديد المسؤوليات والمساءلة.


يخلص البحث إلى أن معالجة هذه الأزمة تقتضي إعادة الاعتبار للدستور ومبدأ تلازم الموازنة وقطع الحساب، عبر إصلاح شامل لمنظومة المالية العامة، وتفعيل أجهزة الرقابة، واعتماد معايير الشفافية في إعداد الموازنات ونشرها. كما ينبغي ربط الإنفاق العام بالأهداف الاقتصادية والاجتماعية، لضمان توجيهه نحو التنمية المستدامة وتحقيق العدالة الاجتماعية.

المقاييس

يتم تحميل المقاييس...

تفاصيل المقالة

كيفية الاقتباس
مصطفى حمدان, & الأستاذ الدكتور عصام إسماعيل. (2025). أثر غياب الموازنة العامّة وقطع الحساب على الإنفاق العام في لبنان. المجلة العربية للعلوم الإنسانية والاجتماعية, (34), 26–82. https://doi.org/10.59735/arabjhs.vi34.1517
القسم
فهرس المحتويات
​<span id="__caret">_</span><br data-mce-bogus="1"> ​<span id="__caret">_</span><br data-mce-bogus="1">